وقال (مجاهد): لا يَتَعَلَّمُ الـْـعِلـْـمَ مُسْتَحْيٍ ولا مُسْتَكْبِر.
وقالت (عائشة): نِعْمَ النِساءُ نِساءُ الأنصَار، لم يَـمْـنَـعْـهُـنَّ الحياءُ أنْ يَـتَـفَـقَّـهْـنَ في الـدِّين.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: (جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟)، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ"، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ – تَعْنِي وَجْهَهَا – وَقَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟)، قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟".
* رواهـ الـبـخـاري.
-----------------------
(فتح الباري بشرح صحيح البخاري)
قَوْله: (إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقّ):
أَيْ: لَا يَأْمُر بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقّ.
وَقَدَّمَتْ أُمّ سُلَيْمٍ هَذَا الْكَلَام بَسْطًا لِعُذْرِهَا فِي ذِكْر مَا تَسْتَحْيِي النِّسَاء مِنْ ذِكْره بِحَضْرَةِ الرِّجَال، وَلِهَذَا قَالَتْ لَهَا عَائِشَة كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم: فَضَحْت النِّسَاء.
قَوْله: (إِذَا هِيَ اِحْتَلَمَتْ): أَيْ رَأَتْ فِي مَنَامهَا أَنَّهَا تُجَامَع.
قَوْله: (إِذَا رَأَتْ الْمَاء):
يَدُلّ عَلَى تَحَقُّق وُقُوع ذَلِكَ، وَجَعْل رُؤْيَة الْمَاء شَرْطًا لِلْغُسْلِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَرَ الْمَاء لَا غُسْل عَلَيْهَا.
قَوْله: (تَعْنِي وَجْههَا): الْقَائِل عُرْوَة، وَالضَّمِير يَعُود عَلَى أُمّ سَلَمَة.
قَوْله: (وَتَحْتَلِم): بِحَذْفِ هَمْزَة الِاسْتِفْهَام، ولِلْكُشْمِيهَنِيّ "أَوَتَحْتَلِمُ" بِإِثْبَاتِهَا.
قِيلَ: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَام يَكُون فِي بَعْض النِّسَاء دُون بَعْض، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَتْ أُمّ سَلَمَة ذَلِكَ، لَكِنَّ الْجَوَاب يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا إِنَّمَا أَنْكَرَتْ وُجُود الْمَنِيّ مِنْ أَصْله وَلِهَذَا أُنْكِرَ عَلَيْهَا.
قَوْله: (تَرِبَتْ يَمِينك): أَيْ: اِفْتَقَرَتْ وَصَارَتْ عَلَى التُّرَاب، وَهِيَ مِنْ الْأَلْفَاظ الَّتِي تُطْلَق عِنْد الزَّجْر وَلَا يُرَاد بِهَا ظَاهِرهَا.